يُفاقم تغير المناخ المخاطر التي تواجهها المجتمعات الساحلية، ولا سيما بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر وتزايد وتيرة الظواهر الجوية المتطرفة. فقد ارتفع متوسط مستوى سطح البحر العالمي بنحو 0.2 متر منذ أوائل القرن العشرين، وتشير التوقعات إلى ارتفاع يتراوح بين 0.63 متر وأكثر من 1.01 متر بحلول عام 2100 في ظل سيناريوهات الانبعاثات العالية. وتجعل هذه التغيرات استراتيجيات الحماية التقليدية أقل فعالية وأكثر تكلفة بمرور الوقت. لقد تسببت الكوارث المرتبطة بالمناخ في خسائر اقتصادية عالمية قُدرت بنحو 3.64 تريليون دولار في الفترة ما بين عامي 1970 و2019، وقد تتجاوز الأضرار الناجمة عن الفيضانات الساحلية وحدها تريليون دولار سنوياً بحلول عام 2050 في غياب تدابير تكيف فعالة. وفي هذا السياق، لا يُعد التكيف ضرورة بيئية فحسب، بل ضرورة اقتصادية أيضاً؛ إذ تبرز استراتيجية "الانسحاب المُدار" -التي تُعرف بأنها النقل المخطط للسكان والأصول بعيداً عن المناطق المعرضة لمخاطر عالية- كحلٍ رئيسي للحد من التعرض للمخاطر على المدى الطويل، وتجنب التكاليف المتزايدة، ودعم التنمية القادرة على الصمود.
النتائج الرئيسية
يُشير هذا البحث إلى أن الانسحاب المُدار يُعدّ استراتيجية ضرورية للتكيف مع تغير المناخ، ولكنه لا يزال غير مُستغلّ بالشكل الأمثل، لا سيما في مواجهة ارتفاع مستوى سطح البحر. وبينما كانت العديد من الحالات ردود فعل، تُسلّط الدراسة الضوء على تحوّل نحو التخطيط الاستباقي مدفوعًا بتزايد المخاطر وقوة الأدلة الاقتصادية.
وقد تسبّبت الكوارث المرتبطة بالمناخ بالفعل في خسائر عالمية بلغت حوالي 3.64 تريليون دولار أمريكي في الفترة من 1970 إلى 2019، ومن المتوقع أن تتزايد المخاطر الساحلية بوتيرة متسارعة. وتشير تقديرات سابقة إلى أن الخسائر السنوية العالمية من الفيضانات قد ترتفع من بضعة مليارات من الدولارات إلى أكثر من تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2050 في حال عدم اتخاذ إجراءات تكيفية، في حين أن النمو الاجتماعي والاقتصادي وحده قد يُؤدي إلى أضرار تُقدّر بنحو 52 مليار دولار أمريكي سنويًا. وعند إضافة تغير المناخ وهبوط الأرض، قد تتجاوز الخسائر السنوية تريليون دولار أمريكي بحلول منتصف القرن. إضافةً إلى ذلك، قد تتعرّض أصول ساحلية بقيمة تتراوح بين 7 و14 تريليون دولار أمريكي للخطر بحلول عام 2100، وتُقدّر تكاليف التكيف للموانئ وحدها بما يتراوح بين 223 و768 مليار دولار أمريكي قبل عام 2050. تُظهر هذه الأرقام أن استمرار التنمية في المناطق الساحلية عالية المخاطر غير مُستدام اقتصاديًا.
تُبيّن هذه الورقة البحثية أن استراتيجيات "الصمود"، كالدفاعات الساحلية الصلبة، تنطوي على تكاليف باهظة ومتزايدة مع مرور الوقت، مما يؤدي غالبًا إلى استثمارات طويلة الأجل غير فعّالة وتجميد البنية التحتية. في المقابل، يُمكن للانسحاب المُدار أن يُقلل التكاليف التراكمية من خلال تجنّب الأضرار المتكررة والالتزامات طويلة الأجل. تُشير الأدلة إلى أن برامج شراء الأراضي بعد الكوارث يُمكن أن تُحقق عوائد كبيرة، حيث تُشير الدراسات إلى فوائد تصل إلى 6 دولارات لكل دولار مُستثمر.
كما يُضيف الانسحاب قيمة اقتصادية إضافية من خلال تمكين استعادة النظم البيئية، مما يُوفر خدمات مثل الحماية من الفيضانات وتخزين الكربون. ومن المهم الإشارة إلى أن التوقيت عامل حاسم: فالانسحاب الاستباقي أكثر فعالية من حيث التكلفة من إعادة التوطين التفاعلية، حيث أن التأخيرات تُزيد من التكاليف المالية والاجتماعية.
بشكل عام، يبرز الانسحاب المُدار كاستراتيجية اقتصادية رشيدة للتكيف مع تغير المناخ، قادرة على الحد من الخسائر طويلة الأجل، وتجنّب الاستثمارات غير الفعّالة، ودعم أنظمة استخدام الأراضي الأكثر مرونة في مواجهة المخاطر المناخية المتزايدة.
خلفية
تتزايد وتيرة وحدّة ارتفاع مستوى سطح البحر والمخاطر المرتبطة بالمناخ؛ إذ تشير التوقعات العلمية إلى احتمال ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار متر واحد أو أكثر بحلول عام 2100، مع تفاوت إقليمي ملحوظ. وتُشكّل هذه التغيرات مخاطر متزايدة تهدد البنية التحتية والنظم البيئية والسكان في المناطق الساحلية.
تُعرِّف الدراسة "الانسحاب المُدار" بأنه عملية نقل مخططة واستراتيجية للسكان والبنية التحتية والأنشطة بعيداً عن المناطق المعرضة لمخاطر عالية. وفي حين كان يُنظر إلى هذا الإجراء تقليدياً على أنه "حل أخير"، تعيد الورقة البحثية تقديمه كاستراتيجية محورية للتكيف مع التغير المناخي؛ إذ يعكس هذا التحول إدراكاً بأن الحد من التعرض للمخاطر غالباً ما يكون أكثر استدامة من محاولة مقاومة العمليات البيئية أو السيطرة عليها.
وتجادل الدراسة بأن جهود التكيف ينبغي أن تتجاوز مجرد التركيز على الحماية؛ فالحواجز الهندسية الصلبة قد تكون فعالة على المدى القصير، لكنها غالباً ما تكون مكلفة وتفتقر إلى المرونة وعرضة للفشل في ظل الظروف القاسية. وفي المقابل، يتيح الانسحاب المُدار مواءمة النظم البشرية مع الديناميكيات البيئية، مما يعزز القدرة على الصمود على المدى الطويل، ويدعم الاستخدام المستدام للأراضي وتكامل العمليات البيئية.
المنهجية
تتبنى الدراسة نهجاً متعدد الأبعاد لتقييم "الانسحاب المُدار" (Managed Retreat) كاستراتيجية للتكيف مع التغير المناخي، حيث تجمع بين علوم المناخ، وتحليل المخاطر، والتقييم الاقتصادي، ومنظورات الحوكمة. وبالاستناد إلى توقعات ارتفاع مستوى سطح البحر -بما في ذلك تقديرات تشير إلى ارتفاع يتراوح بين 0.63 و1.01 متر بحلول عام 2100- يُقيّم البحث مدى تعرض البنية التحتية والنظم البيئية والسكان للمخاطر، مسلطاً الضوء على القيود المتزايدة التي تواجه استراتيجيات الحماية التقليدية.
كما يجري تحليل الانسحاب المُدار في إطار الحد من مخاطر الكوارث، ولا سيما بما يتماشى مع "إطار سنداي" الذي يشدد على الوقاية وتخفيف المخاطر. وتدرس الدراسة سبل دمج خيار الانسحاب في عمليات التخطيط طويل الأجل، لا سيما في الحالات التي لا تُعد فيها الدفاعات الهيكلية (الإنشائية) خياراً مجدياً.
ويؤدي التقييم البيئي دوراً محورياً في منهجية الدراسة، مع التركيز على كيفية مساهمة الانسحاب في تعزيز التكيف القائم على النظم البيئية؛ إذ لا يقتصر تقييم استعادة النظم البيئية الساحلية على فوائدها البيئية فحسب، بل يشمل أيضاً دورها في الحد من المخاطر.
وعلاوة على ذلك، يتضمن البحث دراسات حالة لاستكشاف أبعاد الحوكمة والأبعاد الاجتماعية، مع التأكيد على أهمية الثقة والمشاركة والعدالة الإجرائية؛ إذ تُعد هذه العناصر ركائز أساسية لنجاح تنفيذ سياسات الانسحاب.
وأخيراً، تشتمل المنهجية على تحليل اقتصادي يقارن بين تكاليف التقاعس عن العمل وفوائد إعادة التوطين المخطط لها. وتُبرز هذه المقارنة المزايا طويلة الأجل للانسحاب الاستباقي، وتحدد فرص إعادة الاستثمار والتحول، مع العمل في الوقت ذاته على الحد من المخاطر المالية والاجتماعية المستقبلية.